شوقي ضيف

279

المدارس النحوية

وأبو البقاء « 1 » العكبري النحوي الضرير ، بغدادي مثل سالفيه ، ولد سنة 538 وتوفى سنة 616 للهجرة ، وصلته بالشيخين أبى على الفارسي وابن جنى تتضح في شرحه لإيضاح الأول ولمع الثاني ، وأيضا في مصنفاته : « الإفصاح عن معاني أبيات الإيضاح » و « تلخيص أبيات الشعر لأبى على » و « تلخيص التنبيه لابن جنى » و « المنتخب من كتاب المحتسب » . وله مؤلفات مختلفة في النحو وعلله ومسائل الخلاف فيه . وكان يعنى بقراءات الذكر الحكيم ونشر له في مصر كتاب إعراب القرآن والقراءات في جزأين ، وهو من صفحاته بل سطوره الأولى يجرى في إعراب الألفاظ على المذهب البصري فالمبتدأ مرفوع بالابتداء وهلم جرا ، ويتوقف مرارا ليرد على الكوفيين بعض وجوههم في الإعراب ، وإذا رجعنا إلى آرائه المنثورة في كتب النحو وجدناه يتبع الفارسي في كثير منها ، فقد كان يرى رأيه ورأى الفراء قبله في أن « لو » تأتى مصدرية غير عاملة في مثل : « يود أحدهم لو يعمنر ألف سنة » ويشهد لهم قراءة بعضهم : ( ودوا لو تدهن فيدهنوا ) بحذف نون الفعل الأخير ، لعطفه بالنصب على ( لو تدهن ) وكأنها في مكان أن تدهن « 2 » . ورأى رأى الفارسي أيضا في أن ما قد تأتى زمانية على نحو إتيانها في الآية الكريمة : ( فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ) أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم « 3 » . وتابعه في إعراب ذلك في قوله تعالى : ( وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ) صفة للباس ، والمشهور أنها بدل أو بيان « 4 » . وكان يختار لنفسه أحيانا من آراء الكوفيين ، فقد كان يمنع مثل ثعلب أن تكون منذا مركبة تركيب ما ذا بحيث يمكن إعرابها في مثل « منذا لقيت » مفعولا به ، وهي عندهما مبتدأ وخبر ، وذا اسم موصول ، ولقيت صلته ، وكان يعلل لذلك بأن ما أكثر إبهاما من أختها من ، فحسن أن تجعل مع غيرها كشىء واحد ، ولأن التركيب خلاف الأصل « 5 » . وهو بذلك بغدادي من مدرسة أبى على الفارسي ، التي كانت تعوّل على الاختيار والانتخاب من آراء النحاة السابقين ، ومن ثمّ كان الدكتور مصطفى جواد محقّا حين اتهم نسبة شرح ديوان المتنبي المطبوع

--> ( 1 ) انظر في ترجمة أبى البقاء العكبري إنباه الرواة 2 / 116 وابن خلكان 1 / 266 ونكت الهميان ص 178 وشذرات الذهب 5 / 67 وبغية الوعاة ص 281 . ( 2 ) المغنى ص 294 . ( 3 ) المغنى ص 335 . ( 4 ) المغنى ص 553 . ( 5 ) المغنى ص 364 .